لسنا ضحايا التاريخ
يؤكد أحمد غلامي على "الفاعلية الإنسانية"، ويرى أن الوضع الراهن في إيران ليس نتاجًا لقدَر تاريخي أو مؤامرة خارجية، بل هو نتيجة قرارات ومسؤوليات (أو تهرب منها) في التاريخ المعاصر. ويعتقد أن إنكار دور الشعب في تشكيل الوضع الحالي يعني اعتباره "صغيرا" وإنكار قدرته على بناء المستقبل. ومن خلال نبذ التعاملات العاطفية (كالغضب والانتقام) مع الماضي، يقدم الكاتب السبيل الوحيد لتجاوز تكرار الحلقات المفرغة، ألا وهو "جراحة جريئة للتاريخ" وإعادة قراءته قراءة نقدية لاكتشاف الحقيقة واستعادة المسؤولية الفردية للإيرانيين.
المؤلف:
أحمد غلامي
لقد شهد الروح التاريخي لإيران تقلبات كثيرة عبر الزمن، بين أوقات عصيبة وأخرى حلوة. ولكن لفهم الوضع الراهن، لا حاجة للعودة إلى التاريخ القديم؛ فالعودة إلى تاريخ المئة عام التي مر بها الإيرانيون كافية للحكم على حاضرنا ويكشف هذا التاريخ الممتد على مدى قرن من الزمان عن مدى تواطؤنا نحن، كالشعب، في الوضع الراهن.
ويُظهر هذا التاريخ أين تخلينا عن مسؤولياتنا وأين وقفنا إلى جانب بعضنا البعض في اللحظات العصيبة الصعبة ويكشف هذا التاريخ، الذي يمتد لقرنٍ من الزمان، كيف اتخذنا قرارات بدافع الخوف والأمل، وأحيانًا بالغضب والانتقام ولا تزال عواقبها تؤثر علينا حتى يومنا هذا. ولعلّ أفضل طريقة لفهم السياق والظروف التي نعيشها هي العودة إلى التاريخ وتحليله. دعونا نرى ما حل بنا وعلى يد من؟ وبغض النظر عن النتيجة، فمن الواضح الذي لا يُنكر أننا نتاج تاريخنا؛ لا يمكننا تجاهله أو تجاوزه بسهولة. فكل من يُرسّخ الاعتقاد بإمكانية المضي قدمًا نحو المستقبل دون الالتفات إلى التاريخ، إنما يُفكّر في مصالحه الخاصة.
وبالعودة إلى التاريخ، يتضح دور رجال الدولة، والسياسيين الوطنيين والخونة على اختلاف مسمياتهم ومناصبهم، والأجانب من كل نوع، والأهم من ذلك، دور الشعب. لسنا شعبًا بلا تاريخ، ولا أمة بلا تاريخ تستطيع اتخاذ القرارات الصائبة لمستقبل أرضها. التاريخ لا يبدأ بنا ومن يصرخ بهذا يكذب كذبة كبيرة. حتى لو خدعنا أنفسنا أو خُدعنا باتخاذ خطوات نحو المستقبل دون الالتفات إلى التاريخ، فلن يطول بنا الوقت حتى ينهار التاريخ علينا من جديد. وفي هذا التاريخ تُسجل صداقات وعداوات الأجانب، وأفعال الوطنيين والخونة، ووعي الناس وجهلهم. تاريخنا حافل بلحظات الفخر والعار، كحال تاريخ العالم أجمع ولا ينبغي لنا أن نفخر بهذا التاريخ ولا نخجل منه، بل أن نعيد قراءته بنظرة نقدية ونزيهة وشجاعة. التاريخ ليس نصوصًا بالية أو أحداثًا تركناها وراءنا بل التاريخ هو حاضرنا.
لسنا منفصلين عن التاريخ في هذه اللحظة بالذات؛ هذا التاريخ، بحيله وأكاذيبه، لا يوقفنا. لا مفرّ إلا بالمضيّ قدمًا نحوه بشجاعة وإعادة اكتشاف حقيقتنا وحقيقة إيران. أين نقف من حيث الحقيقة التاريخية؟ أليس اليوم الحقيقة التاريخیة وحقيقتنا؟ ألم نخلق نحن السياق الذي نجد أنفسنا فيه؟ أم علينا الاعتراف بالاعتقاد المخزي بأننا لم نكن لنا أي دور في التاريخ وأن الآخرين لطالما اتخذوا وسيتخذون القرارات نيابةً عنا؟ مهما يكن، فنحن ورثة هذا التاريخ، ولا يمكننا الانتقال من التاريخ والحاضر إلى المستقبل بالغضب والسخط. الغضب وكراهية أنفسنا والآخرين يمهدان الطريق للانتقام وإلقاء اللوم على الآخرين واللعنات والإهانات هي نفس درب الماضي الذي أوصلنا إلى هنا فلماذا نكرره بانتقاد التاريخ؟
هذه هي خدعة التاريخ التي نظن أننا نُنتزع منها بالكراهية لتجاوز التاريخ، علينا أن نعيشه ونخوض غماره، ولمنع تكراره علينا أن نكشف زيفه. هذه الجراحة التاريخية تمنع تكراره الأحمق على يد بائعي التاريخ المزيف. ولفهم التاريخ واستيعابه، قبل كل شيء، علينا أن نعود إلى أنفسنا ونحاسبها. فمن خلال محاسبة الذات تتشكل الفردية والقدرة على الفعل، ونتحرر من هيمنة الإيمان بالأمة والقبيلة وشيوخها. والانتقال إلى المستقبل يكون عبر تعميق هذه القدرة على الفعل والفردية، والإيمان بأن لي دورًا في الوضع الراهن في إيران، سواء كان خيرًا أم شرًا.
كل من يبالغ في مدحنا ومدح أمتنا، ويصر على براءتنا، إنما يسعى إلى إنكار قدرة الشعب على الفعل ويصفهم طوعًا أو كرهًا، بالقاصرين وهذه هي طريقة بائعي التاريخ الذين يصنعون ويبيعون التاريخ المزيف. نحن نتاج هذا التاريخ، ومنه انبثقنا وسنصنع هذا التاريخ وتاريخ المستقبل بالنظر إلى الماضي، لا بالغضب أو الانتقام. لسنا ضحايا التاريخ والوضع الراهن هو نتيجة أفعال الأفراد. صحيح أن رجال الدولة والسياسيين والمثقفين والنخب يتحملون النصيب الأكبر، لكننا لسنا أبرياء من التاريخ أيضاً.
إنّ من يغرسون هذا الفكر ينكرون حقّ الشعب في تقرير مصيره، ويفرضون رؤيتهم الخاصة على الأمة ولبناء مستقبل إيران، يجب أن نتكاتف. الشعب، بكلّ تنوّعه اللغوي والأيديولوجي والطبقي، يقف صفًا واحدًا ويطالب بوعي بتغيير الوضع الراهن في كلّ مشكلة تواجهه. إنّ السجلات التاريخية لجميع الحركات التي طالبت بالتغيير موجودة. ربما يكون من حقّ أيّ أمة اتخاذ قراراتها دون الرجوع إلى السجلات التاريخية للحركات، لكن ليس لها الحقّ في انتقاد من اتخذوا قرارات في الماضي.

الآراء